الخيار في حضارة الإنسان

الخيار في حضارة الإنسان


الخيار خاصية في الإنسان، تُولَد معه، وتميِّزه - بنُضْجه في ممارسة صلاحياته في الحياة - عن الحيوان، وعن الغافل عن سبب وجوده.

خاصية الخيار هي البُرهان الواقعي - مِثلُها مثل كثير غيرها - على أننا البشر، لسنا حيوانات.

ولو قال مَن قال مِن فلاسفةِ الغرب: إنهم حيوانات، هم صادقون بوَصْف الذي يَعتقد فكْرَهم وفلسفتَهم، ويتصرَّف مثلهم، ويتخلق بخلقهم.

لكن ليس جنْسُ البشر جنسَ حيوان.



الفيلسوف والمفكِّر والأمي إذا أضاعَ مرجعيةَ إنسانيةِ الفِكْر يَفقد مرجعية الحسِّ الإنساني، وبذلك يَعمى عن مقياس الأعمال الذي يلتزم به البشر.



فهُم بشر بدون مقياس أعمال الإنسان الذي يَصدر عنه قِيَمُ الإنسانية، التي بها تحيا روح الإنسان أو تضمحِلُّ، فيحيا الفرد بدونها حيوانًا - كما يقولون صدقًا - بوصف حالة الفرد في حياته بدون قِيَم الإنسانية التي تَصدر عن مِقْياس أعمال الإنسان، الذي ينشأ طبيعيًّا مِن فكر الحياة الذي هو فكر سبب الحياة ومصيرها.



خاصية الخيار - كباقي الخاصيات - هي قدرة كامِنَة، هي طبيعة تَحتاج إلى طاقة لِمُمارسة دَورها.

ولأنَّ الإنسان يعيش سنين؛ فالبحث في طاقة الخاصية يَجب أن يكون هنا هو بحثًا في مصدرها، وليس في فِعلها أو نتيجتها؛ حتى نستطيع أن نَصِل إلى معرفة - أو اكتشاف - طريقة إمداد هذه الخاصية بالطاقة الدائمة طوالَ حياة الفرد السليمة.

الأصل أن الخيار نِتاجُ فِكر؛ أيْ: نِتاج قَناعة؛ فالمصدر الأوَّل لطاقة الخيار هو القَناعة الفكرية بالقرار، هذا ما يجب أن يكون المصدرَ الأول والوحيدَ للإنسان.

لكنَّ كثيرًا مِن البشر يُعلنون ويعتقدون أنَّهم حيوانات تمشي، أو تنطق، أو تتناسل وتبول كالحيوانات.



هؤلاء يَملكون خاصيات الإنسان التي لا يَملكها الحيوان، لكنهم يصِرُّون أنهم حيوانات، بل يحاولون أن يشابهوا الحيوان في تصرُّفاته، ويحاولون أن يستنبطوا أفكارًا مِن ملاحظة تصرُّف الحيوان يَلتزمون بها، ويطالبون مَن يصرُّ أن يلتزم بناءَ أفكارِ الإنسانية مِن مصادرها لمتابعتهم والقَبول بالفكر الذي استنتجوه مِن مراقبة تصرف الحيوان.

مثلاً: يلاحِظ الديمقراطيُّ أنَّ الكلب يَبول أمام غيره دون حرج؛ لا يَدخل مكانًا خاصًّا ويغلق بابه، ولا يَحرص أن يحتجب عن الأنظار عندما يَقضي حاجته، ولا يتحرَّج أو يخجل مِن ذلك.

الاستنتاج الطبيعي لهذا الفرد: أن يَستبيح هذا الفعل، ويفعله دون حرج أو خجل.

وتقوم السلطات الديمقراطية بتعميم هذه الممارسة في مراحيض الأبنية الرسمية والعامة، والسجون، والجامعات، ونَشْر ثقافة المراحيض المشتَرَكة.

هكذا تصبح تصرُّفات الحيوانات مصدرًا مِن مصادر إنتاج القناعات الفكرية، والسلوكيات الفردية والجماعية.

لا نقول هذا لِذَم الديمقراطية والديمقراطيين، بل لنصل إلى اكتشاف المصدر الثاني الذي يوجَد طبيعيًّا عند كلِّ مَن يتصرف بمحاكاة الحيوان، أو بفكرٍ مستَنبَط من ملاحظةِ تصرف حيواني، أو لأنَّه يرفض أن يكون الإسلام مصدرَ فِكر القناعات الإنسانية، أو قاعدةَ أفكار الحياة، أو أنَّه مقياس أفكار الغايات، أو أنه فكر السلوك الإنساني.

هذه المحاكاة هي محاكاة بين عقل الإنسان وغريزة الحيوان، أو غريزة الإنسان، هذا أمر ليس فيه تَوازن، وليس له نظام، ولا يصلح أن يكون طريقًا لفهمٍ، بل يخالِف قواعده.



لكنَّهم يقبلونه طريقًا للفهم، ولو بدون توازن وبدون نظام.

الأصل أن التوازن في الذات الإنسانية لا يتحقق إلا بإخضاع الغريزة لقواعدَ فِكرية تَضبط إفرازها وحركتها بمقاصد فكرية.

فالخروج عن هذا الخط هو كالقطار الذي يَخرج عن سكَّته.

فرض نتيجة إشباع الرغبة ليكون قاعدة لاستنباط فكر، هو إخضاع للعقل لحاجة الرغبة، وهو ما يبرِّر قول الفلاسفة الغربيِّين: إنه لا يوجد هناك ما يسمى نفسية إنسانية وأخرى حيوانية؛ هناك نفسية واحدة للاثنين.

صدَّقوا بتوصيف المآل الذي تؤول إليه ممارسة تسخير العقل لإشباع الرغبة أو حاجاتها.

أبصارهم وقلوبهم عَمِيت عن معرفة نظام الربط بين مرجعية القناعة ومرجعية الإشباع.


ولو اهتدوا إلى ذلك لاهتدوا إلى أنَّ استبدالَ مرجعية ثانوية بأصيلة هو فرضُ مرجعيةٍ بدلاً من ربط المرجعيَّتين بنظام الطبيعة الإنسانية للذات البشرية يحوِّل العقل إلى فِعلِ غريزةٍ، يعمل بالرجع الغريزي، يستغني به عن نظام الفهم الذي اختصَّ الله به الإنسان.

بهذا الفرض يستحيل على أي مفكِّرٍ أو فيلسوفٍ أو إنسان أن يصدِّق إذا تثقَّف بثقافة اليوم السائدة - ثقافةِ الفكر الغربي - أنه كائن يتميَّز عن الحيوان؛ لأنه واقعيًّا لا يستطيع أن يرى أي دليل على ذلك.
Add to list
Free
94
4.7
User ratings
17
Installs
100+
Concerns
0
File size
5597 kb
Screenshots
Screenshot of الخيار في حضارة الإنسان Screenshot of الخيار في حضارة الإنسان Screenshot of الخيار في حضارة الإنسان
About الخيار في حضارة الإنسان
الخيار خاصية في الإنسان، تُولَد معه، وتميِّزه - بنُضْجه في ممارسة صلاحياته في الحياة - عن الحيوان، وعن الغافل عن سبب وجوده.

خاصية الخيار هي البُرهان الواقعي - مِثلُها مثل كثير غيرها - على أننا البشر، لسنا حيوانات.

ولو قال مَن قال مِن فلاسفةِ الغرب: إنهم حيوانات، هم صادقون بوَصْف الذي يَعتقد فكْرَهم وفلسفتَهم، ويتصرَّف مثلهم، ويتخلق بخلقهم.

لكن ليس جنْسُ البشر جنسَ حيوان.



الفيلسوف والمفكِّر والأمي إذا أضاعَ مرجعيةَ إنسانيةِ الفِكْر يَفقد مرجعية الحسِّ الإنساني، وبذلك يَعمى عن مقياس الأعمال الذي يلتزم به البشر.



فهُم بشر بدون مقياس أعمال الإنسان الذي يَصدر عنه قِيَمُ الإنسانية، التي بها تحيا روح الإنسان أو تضمحِلُّ، فيحيا الفرد بدونها حيوانًا - كما يقولون صدقًا - بوصف حالة الفرد في حياته بدون قِيَم الإنسانية التي تَصدر عن مِقْياس أعمال الإنسان، الذي ينشأ طبيعيًّا مِن فكر الحياة الذي هو فكر سبب الحياة ومصيرها.



خاصية الخيار - كباقي الخاصيات - هي قدرة كامِنَة، هي طبيعة تَحتاج إلى طاقة لِمُمارسة دَورها.

ولأنَّ الإنسان يعيش سنين؛ فالبحث في طاقة الخاصية يَجب أن يكون هنا هو بحثًا في مصدرها، وليس في فِعلها أو نتيجتها؛ حتى نستطيع أن نَصِل إلى معرفة - أو اكتشاف - طريقة إمداد هذه الخاصية بالطاقة الدائمة طوالَ حياة الفرد السليمة.

الأصل أن الخيار نِتاجُ فِكر؛ أيْ: نِتاج قَناعة؛ فالمصدر الأوَّل لطاقة الخيار هو القَناعة الفكرية بالقرار، هذا ما يجب أن يكون المصدرَ الأول والوحيدَ للإنسان.

لكنَّ كثيرًا مِن البشر يُعلنون ويعتقدون أنَّهم حيوانات تمشي، أو تنطق، أو تتناسل وتبول كالحيوانات.



هؤلاء يَملكون خاصيات الإنسان التي لا يَملكها الحيوان، لكنهم يصِرُّون أنهم حيوانات، بل يحاولون أن يشابهوا الحيوان في تصرُّفاته، ويحاولون أن يستنبطوا أفكارًا مِن ملاحظة تصرُّف الحيوان يَلتزمون بها، ويطالبون مَن يصرُّ أن يلتزم بناءَ أفكارِ الإنسانية مِن مصادرها لمتابعتهم والقَبول بالفكر الذي استنتجوه مِن مراقبة تصرف الحيوان.

مثلاً: يلاحِظ الديمقراطيُّ أنَّ الكلب يَبول أمام غيره دون حرج؛ لا يَدخل مكانًا خاصًّا ويغلق بابه، ولا يَحرص أن يحتجب عن الأنظار عندما يَقضي حاجته، ولا يتحرَّج أو يخجل مِن ذلك.

الاستنتاج الطبيعي لهذا الفرد: أن يَستبيح هذا الفعل، ويفعله دون حرج أو خجل.

وتقوم السلطات الديمقراطية بتعميم هذه الممارسة في مراحيض الأبنية الرسمية والعامة، والسجون، والجامعات، ونَشْر ثقافة المراحيض المشتَرَكة.

هكذا تصبح تصرُّفات الحيوانات مصدرًا مِن مصادر إنتاج القناعات الفكرية، والسلوكيات الفردية والجماعية.

لا نقول هذا لِذَم الديمقراطية والديمقراطيين، بل لنصل إلى اكتشاف المصدر الثاني الذي يوجَد طبيعيًّا عند كلِّ مَن يتصرف بمحاكاة الحيوان، أو بفكرٍ مستَنبَط من ملاحظةِ تصرف حيواني، أو لأنَّه يرفض أن يكون الإسلام مصدرَ فِكر القناعات الإنسانية، أو قاعدةَ أفكار الحياة، أو أنَّه مقياس أفكار الغايات، أو أنه فكر السلوك الإنساني.

هذه المحاكاة هي محاكاة بين عقل الإنسان وغريزة الحيوان، أو غريزة الإنسان، هذا أمر ليس فيه تَوازن، وليس له نظام، ولا يصلح أن يكون طريقًا لفهمٍ، بل يخالِف قواعده.



لكنَّهم يقبلونه طريقًا للفهم، ولو بدون توازن وبدون نظام.

الأصل أن التوازن في الذات الإنسانية لا يتحقق إلا بإخضاع الغريزة لقواعدَ فِكرية تَضبط إفرازها وحركتها بمقاصد فكرية.

فالخروج عن هذا الخط هو كالقطار الذي يَخرج عن سكَّته.

فرض نتيجة إشباع الرغبة ليكون قاعدة لاستنباط فكر، هو إخضاع للعقل لحاجة الرغبة، وهو ما يبرِّر قول الفلاسفة الغربيِّين: إنه لا يوجد هناك ما يسمى نفسية إنسانية وأخرى حيوانية؛ هناك نفسية واحدة للاثنين.

صدَّقوا بتوصيف المآل الذي تؤول إليه ممارسة تسخير العقل لإشباع الرغبة أو حاجاتها.

أبصارهم وقلوبهم عَمِيت عن معرفة نظام الربط بين مرجعية القناعة ومرجعية الإشباع.


ولو اهتدوا إلى ذلك لاهتدوا إلى أنَّ استبدالَ مرجعية ثانوية بأصيلة هو فرضُ مرجعيةٍ بدلاً من ربط المرجعيَّتين بنظام الطبيعة الإنسانية للذات البشرية يحوِّل العقل إلى فِعلِ غريزةٍ، يعمل بالرجع الغريزي، يستغني به عن نظام الفهم الذي اختصَّ الله به الإنسان.

بهذا الفرض يستحيل على أي مفكِّرٍ أو فيلسوفٍ أو إنسان أن يصدِّق إذا تثقَّف بثقافة اليوم السائدة - ثقافةِ الفكر الغربي - أنه كائن يتميَّز عن الحيوان؛ لأنه واقعيًّا لا يستطيع أن يرى أي دليل على ذلك.

User reviews of الخيار في حضارة الإنسان
Write the first review for this app!
Android Market Comments
No comments in the Android market yet